جورجيا بطبيعتها دولة جميلة تمتاز بطبيعتها القوقازية الساحرة. كانت إحدى دول الإتحاد السوفيتى السابق ومسقط رأس الزعيم الشهير ستالين. الشعب الجورجى طيب جداً، ودود للغاية، ومضياف لا يكره الغرباء، وربما هذا يعد إحدى أسباب إزدهار السياحة مؤخراً فى هذه الدولة الصغيرة.

لن أسهب فى الحديث عن روعة وجمال جورجيا لأن الإنترنت ملئ بالعديد من المقالات التى تحدثت عن ذلك من قبل، ولكنى سأتطرق إلى بعد أخر ملفتا جداً لزائرى هذه الدولة الصغيرة الجميلة.

فعند زيارتك لجورجيا، من السهل جداً ملاحظة أنها دولة مسيحية متدينة جداً وأن شعبها مازال محافظاً على العادات والتقاليد ومتمسكاً جداً بها. فكثرة الكنائس القديمة المنتشرة فى كل مكان وإعتنائهم الشديد بها وحرصهم على ترميمها والمداومة على زيارتها، يظهر مدى اعتزاز هذا الشعب بمسيحيته. كما يظهر هذا الأمر أيضاً فى تعاملاتهم وسلوكياتهم اليومية. فمن الطبيعى جداً أن ترى المواطن الجورجى يرسم الثالوث بحركة تلقائية عند رؤيته لأى كنيسة، سواء كان ماشياً أو أثناء قيادته لسيارته. حتى وإن كانت هذه الكنيسة تقع على مسافة بعيدة جداً عنه، فإنه لا يتردد فى فعل ذلك، لأنه يعد أمراً مقدساً جداً بالنسبة لهم. كما يمكنك أن ترى البعض منهم منشغلاً بقراءة الإنجيل طوال فترة جلوسه فى المترو. حتى أن الأسر فى جورجيا مازالت إلى الأن تتشدد فى مسألة تأخر بناتهم لوقت متأخر من الليل إلا فى حالات العمل، و يتشدد الأهل فى مسألة الزواج من جنسيات أخرى غير الجورجية خصوصاً الجنسيات العربية أو المسلمة، بعكس الكثير من الدول الأوروبية التى أصبح هذا الأمر فيها لا يسبب مشاكل كبيرة.

ويرجع هذا التدين الشديد إلى أن جورجيا تعتبر من أقدم دول العالم اعتناقاً للمسيحية وهذا ما يفسر وجود العديد من الكنائس القديمة والتى تعتبر من أقدم كنائس العالم. وبالرغم من أن جورجيا ظلت لفترات تحت الفتح الإسلامى إلا أنها لم تتأثر كثيراً بالطابع الإسلامى كما أنها أيضاً لم تتأثر بالفترة السوفيتية الشيوعية، لأن الشعب الجورجى ظل متمسكاً بديانته لأقصى درجة. ولذلك تمثل نسبة المسيحيين الأرثذوكسيين فى أغلب الإحصائيات أكثر من 80% من تعداد سكان جورجيا.

بينما تبلغ نسبة المسلمين حوالى 10% أغلبهم يتمركزون فى مدينة باتومى الشهيرة التى تقع على الحدود التركية والمسماة بلؤلؤة البحر الأسود، ورغم نسبة المسلمين الكبيرة فى هذه المدينة إلا أنه إلى الأن لا يوجد بها سوى مسجداً واحداً فقط مما يعكس معاناة المسلمين فى جورجيا من قلة المساجد.

حتى أن العاصمة الجورجية تبليسى لا يوجد بها سوى مسجداً واحداً فقط بنى فى العهد العثمانى، وهو يعد أخر المساجد المتبقية فى العاصمة تبليسى بعد أن تم تدمير الأربعة مساجد الأخرى فى عهد الإتحاد السوفيتى السابق.

والحقيقة أن هذا المسجد الوحيد المتبقى فى العاصمة تبليسى والذى يحمل اسم “مسجد الجمعة” يعتبر من أغرب المساجد التى يمكن أن تدخلها على الإطلاق، سواء من حيث المبنى أو من حيث إقامة الشعائر. وهو موجود فى مكان مرتفع بين منازل منطقة تبليسى القديمة Old Tbilisi بجوار البوتانيكال جاردن الشهيرة Botanical Garden، فالمسجد رغم صغر مساحته إلا أنه مقسوماً إلى نصفين والقبلة يوجد بها محرابين، محراب فى الجانب الأيمن ومحراب آخر فى الجانب الأيسر.

وعند السؤال عن سر هذا المسجد الغريب، علمنا أن هذا الأمر يعود فى البداية إلى أنه نظرا لتضييق الدولة فى مسألة بناء المساجد، اضطر المسلمون السنة والشيعة المتواجدين فى العاصمة تبليسى أن يصلوا فى نفس المسجد، مما ادى إلى حدوث خلافات بينهما، فكان الحل أن يتم عمل جدار فى منتصف المسجد بحيث يقسمه إلى نصفين، على أن يكون النصف الأيمن بمحرابه الخاص للشيعة، والنصف الأيسر من المسجد بمحرابه آخر لأهل السنة، وعند الصلاة يدخل المصلين كل منهما إلى قسمه من بابه الخاص به.

وبعد سنوات هدأت الخلافات بين الطرفين واتفقا على هدم الجدار فأصبح المسجد الأن عبارة عن مساحة واحدة ذات محرابين، وتقام فيه الصلوات فى الجانبين معاً، السنة فى جانب والشيعة فى جانب أخر، حتى أن صلاة الجمعة كانت تقام فى الجانبين فى نفس الوقت وبخطيبين يخطبان الجمعة فى نفس الوقت، خطيب الشيعة يخطب فى الجانب الأيمن الخاص بالشيعة، وخطيب أهل السنة يخطب فى الجانب الأيسر الخاص بالسنة. إلى أن تم توحيد خطبة الجمعة مؤخراً وجعلها بخطيب واحد فقط يتولى خطبتها إمام أهل السنة.

ولكن يظل المسجد فى باقى الصلوات كما هو، الشيعة يصلون فى اليمين والسنة يصلون فى اليسار. تعلق على جدران المسجد اليمنى أذكار وأشعار الشيعة، وتعلق على جدران المسجد اليسرى أذكار وأحاديث أهل السنة.

ويبدو أن الأمر بين السنة والشيعة أصبح لا يسبب الكثير من المشاكل نظرأ لأن المسجد تقريباً أصبح خالياً فى أغلب الأوقات، حتى أن المسجد لا تقام فيه صلاة العشاء فى بعض فترات العام. وهذا شيئاً أخر يضاف إلى غرابة هذا المسجد. فمثلاً خلال فترة الصيف مثل شهر يوليو واغسطس، يكون النهار طويلاً ويتأخر وقت صلاة العشاء إلى ما بعد الساعة العاشرة ليلاً بتوقيت جورجيا، ونظراً لأن القائم بأعمال المسجد يغلق أبوابه فى تمام الساعة العاشرة مساء، أى قبل دخول وقت العشاء، فلا يأذن لوقت العشاء ولا تقام الصلاة فى هذا المسجد العجيب فى هذا الوقت من العام لأن المسجد يكون مغلقاً.

لا أعتقد أنه يوجد مثل هذا الأمر فى أى مسجد فى العالم، ولكن يبدو أن جورجيا متفردة فى غرابة مسجدها كما هى متفردة فى جمال طبيعتها.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *