على الرغم من أن رحلتى الطويلة فى أسيا فى سنة 2019 استمرت لعدة أشهر، واشتملت على سبع دول تمكنت فيه من زيارة أكثر من 20 مدينة و جزيرة، إلا إننى مازلت أتذكر هذا المكان الصغير والغريب الذى يقع فى شمال تايلاند بالقرب من تشيانج راى Chiang Rai)).
فالمكان تسكنه قبيلة بتسمى قبيلة كارين (Karen) أو ما تعرف باسم قبيلة ” نساء الاعناق الطويلة” أو(Long Neck Women)، وهى قبيلة تعيش بطريقة بدائية جداً ويحتفظون بعادات وتقاليد غريبة إلا أن أغرب عاداتهم على الإطلاق هى ظاهرة الأعناق الطويلة عند السيدات والأطفال.
فمن أغرب عادات هذه القبيلة هى أن البنت عندهم بمجرد أن تصل لسن أربع أو خمس سنوات، يلبسونها حلقة نحاسية فى رقبتها تكون فى البداية وزنها خفيف، ومع مرور السنوات تضاف حلقة جديدة تلو الأخرى لرقبة الفتاة إلى أن تصل لسن الخامسة والعشرون تقريباً. وتكون وزن الحلقة الواحدة فى المتوسط من 5 الى 10 كجم تقريباً وقد يصل الوزن لأكثر من ذلك فى النساء الأكبر سناً. ونتيجة لإضافة تلك الحلقات النحاسية تدريجياً فى رقاب الفتيات منذ الطفولة، تطول أعناقهن مع الوقت بشكل غريب ومخيف أيضاً، غريباً عندما تراهم و الحلقات النحاسية اللامعة حول أعناقهن، ومخيفاً إذا صادف ورأيت رقابهن بدون هذه الحلقات حولها، وذلك لأن الرقبة تظهر طويلة بشكل غير طبيعى على الإطلاق فهن لا يخلعنها طوال حياتهن إلا عند الضرورة.

والحقيقة أنه نادراً ما سترى الفتيات بدون حلقاتهن النحاسية حول رقابهن لأن الغرض الأساسى من وضعها فى رقابهن هو الزينة والفخر والإنتماء القبلى، وبالتالى ستراهم دائماً كسائح زائر لقريتهم وهن يلبسونها ولا يخلعونها أبداً أمام الزوار وإن كان مسموح للزوار مشاهدة بعض الصور للفتيات بدون الحلقات النحاسية أثناء شرحهن لطريقة وضعها والغرض منها.
ما لاحظته شخصياً أثناء الزيارة أنهن أحياناً يشعرن بالضيق وإن برعن فى إخفاء ذلك الضيق، وذلك نظراً لأن القرية تحولت بالفعل لمزار سياحى يذهب إليه السياح (للفرجة عليهن) وأحيانا مضايقتهن بكثرة الصور. طبعاً الأطفال لا تستطيع الكذب أو إخفاء مشاعرهن بسهولة مثل الكبار ويسهل جداً ملاحظة الضيق على وجوههن خصوصاً من كثرة إلتقاط الصور معهن. ولكن الكبار منهن استطعن إخفاء هذا الضيق والتظاهر بالسعادة والترحيب بالزوار ربما لكى يستطعن بيع المنتجات والمشغولات اليدوية التى يصنعونها ويقتاتون منها خصوصاً ان هذا يعتبر مصدر الرزق الوحيد تقريباً لهذه الأسر الفقيرة. وأكثر ما لفت انتباهى لهذا الأمر هو موقف حدث مع طفلة جميلة هناك. فقط طلب معظم الجروب معنا أن يلتقطوا صور معها إلا أنها رفضت تماماً، رغم تحايل السائحات النساء عليها كثيراً، ورغم انى كنت قد قررت عدم إحراج نفسى وعدم الطلب منها، إلا أنى قررت المحاولة وسألتها، فنظرت إلى قليلاً فى صمت ثم بعدها ابتسمت وهزت رأسها بالموافقة فى مفاجأة كانت مفرحة جداً لى. وبالطبع كل الجروب ضحك وتعجب لماذا أنا تحديداً التى وافقت على التصوير معى ورفضتهم جميعاً. وحقيقى اعتبرت نفسى محظوظاً بالتصوير مع هذه الطفلة الجميلة.

فقبيلة كارين التى تعتبر نادرة لانها الوحيد في العالم التى لديها هذا التقليد الغريب، هى فى الأصل قبيلة من أصل بورمي أى ميانمار (بورما هو الإسم القديم لميانمار حالياً)، والتى تعتبر من أكبر الأقليات العرقية فى ميانمار. وسبب تواجدها الحالى فى هذه المنطقة المحدودة فى الشمال التايلاندى قرب الحدود البورمية التايلاندية، يرجع إلى الحروب الأهلية التى نشبت فى ميانمار أثناء فترة الثمانينيات والتسعينيات و اضطهاد الأقليات هناك خصوصاً ضد قبائل الكارين، فهربت بعض الأسر من فرع قبائل الكارين اسمه البادونغ (Karen Bandong) عبر الحدود إلى شمال تايلاند طلباً للجوء، وبالفعل استقبلتهم الحكومة التايلاندية كلاجئين واسكنتهم فى هذه المنطقة الحدودية بالقرب من شيانغ راى، ولم تسمح لهم بالإنتشار فى باقى أنحاء تايلاند. ومع الوقت أصبحت قبائل الكارين من عوامل الجذب السياحى فى هذه المنطقة نظراً لطبيعتهم وتقاليدهم الخاصة التى تمسكوا بها ويعتزون بها إلى الأن.

فلو أثناء زيارتك لتايلاند، قررت زرت شيانج راى أو شيانج ماى أو منطقة المثلث الذهبى (Golden Triangle)، انصحك بزيارة هذه القرية العجيبة للتعرف أكثر على قبائل الكارين ذات الأعناق الطويلة، ولكن حاول وأنت تتجول بين أكواخ الخزيران التى تعكس حياتهم البسيطة البائسة، ألا تشعرهم بأنك أتيت (للفرجة عليهم)، بل إشعرهم أنك أتيت لكى تودهم وتتعرف علي عاداتهم النادرة ولتشترى منتجانتهم اليدوية الجميلة، وذلك لأن الفارق كبير، تفهمه حتى البنات الصغيرات الجميلات المطوقة أعناقهن بحلقات النحاس الذهبى اللامع.

اترك تعليقاً